محمد جمال الدين القاسمي
305
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تكون بالمعاداة بالقلب للمؤمنين والمودة للكفار على كفرهم ، ولا لبس في تحريم ذلك ، ولا يدخله استثناء والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة والمصادقة بإظهار الأسرار ونحو ذلك ، فلا لبس في تحريم ذلك ولا يدخله استثناء . والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة والمشاورة فيما لا يضر المسلمين ، فظاهر كلام الزمخشريّ أنه لا يجوز إلا للتقية . فحصل من هذا أن الموالي للكافر والفاسق عاص ، ولكن أين تبلغ معصيته ؟ يحتاج إلى تفصيل : إن كانت الموالاة بمعنى الموادة ، وهي أن يوده لمعصيته كان ذلك كالرضا بالمعصية . وإن كانت الموالاة كفرا . كفر . وإن كانت فسقا ، فسق . وإن كانت لا توجب كفرا ولا فسقا ، لم يكفر ولم يفسق . وإن كانت الموالاة بمعنى المحالفة والمناصرة ، فإن كانت محالفة على أمر مباح أو واجب ، كأن يدفع المؤمنون عن أهل الذمة من يتعرض لهم . ويخالفونهم على ذلك ، فهذا لا حرج فيه بل هو واجب . وإن كانت على أمر محظور كأن يحالفوهم على أخذ أموال المسلمين والتحكم عليهم ، فهذه معصية بلا إشكال ، وكذلك إذا كانت بمعنى أنه يظهر سر المسلمين ويحبّ سلامة الكافرين لا لكفرهم بل ليد لهم عليه أو لقرابة أو نحو ذلك ، فهذا معصية بلا إشكال . لكن لا تبلغ حدها الكفر لأنه لم يرو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حكم بكفر حاطب بن أبي بلتعة . وقال الراضي باللّه : إن مناصرة الكفار على المسلمين توجب الكفر . لأنه صلّى اللّه عليه وسلم قال للعباس : ظاهرك علينا . وقد اعتذر بأنه خرج مكرها . وأما مجرد الإحسان إلى الكافر فجائز لا ليستعين به على المسلمين ، ولا لإيناسه . وكذلك أن يضيق لضيقه في قضية معينة لأمر مباح فجائز ، كما كان من ضيق المسلمين من غلب فارس الروم . فصار تحقيق المذهب أن الذي يوجب الكفر من الموالاة أن يحصل من الموالي الرضا بالكفر . والذي يوجب الفسق أن يحصل الرضا بالفسق . إن قيل : فما حكم من يجند مع الظلمة ليستعينوا به على الجبايات وأنواع الظلم ؟ قلنا : عاص بلا إشكال ، وفاسق بلا إشكال لأنه صار من جملتهم . وفسقهم معلوم . فإن قيل : فإن تجند معهم لحرب إمام المسلمين ؟ قلنا : صار باغيا ، وحصل فسقه من جهة البغي والظلم . فإن قيل : حكي عن المهديّ عليّ بن محمد عليه السلام أنه كفّر من تجند مع سلطان اليمن وقضى بردته ، قلنا : هذا يحتاج إلى بيان وجه التكفير بدليل قطعيّ ، وإن ساغ أن نقول ذلك اصطلاح لأمر الإمام كما رد الهادي عليه السلام شهادة من امتنع من بيعة الإمام كان ذلك محتملا - انتهى كلامه رحمه اللّه . ومن هذه الآية استنبط الأئمة مشروعية التقية عند الخوف ، وقد نقل الإجماع